Blog Layout

فلسطين... اختبار تعاطف وإنسانية

"هل البشرية ما زالت بخير؟" لعله أكثر سؤال يحدث ضجيجاً في دماغي منذ فترة....

تغلي على الساحة العالمية هذه الفترة القضية الفلسطينية، بل لطالما كانت كذلك منذ النكبة أو حتى ما قبلها، ولعلنا في مناطقنا العربية نتعاطف بقلوب صادقة مع تلك المشاهد الدموية التي يندى لها الجبين ويتلظى لها القلب.

رغم أن شخصيتي أبعد ما تكون عن الخوض في النقاشات الجدلية، إلا أنني منذ أيام أُقحمت في نقاشٍ مع شرذمة تبتعد أميالاً عن الإنسانية، إذ كانت ترى ما يحدث في فلسطين شأناً خارجياً لا يمت لها ولمشاعرها في شيء، ولعلك سيدي القارئ قد ابتليت بأحدهم في الفترة الماضية.

ولربما تسلل إلى قلبك -كما هو الحال لدي- لماذا لا يتعاطفون كما نفعل نحن... أليسوا بشراً؟

هبني من لدنك دقائقاً أوضح لك ذلك...

التعاطف يا سيدي القارئ عملية دماغية تنطوي على قدرة أن يضع الإنسان نفسه في الموقف العقلي للأشخاص الآخرين لفهم أفكارهم وعواطفهم ثم التصرف بناءً عليها، والخلايا الدماغية التي تـتيح لنا التعاطف هي "الخلايا المرآة – Mirror Neurons"، والتي تكمن وظيفتها في مراقبة ما يقوم به الآخرون، والاحتذاء بهم ومجاراتهم، سواء كان ذلك على مستوى الأفعال -كالتثاؤب، أو على مستوى المشاعر -كالحزن-.

ولكن للأسف إن الدماغ البشري عموماً متعصب في عملية التعاطف منحاز كلياً وعنصري بعض الشيء... وإليك هذه التجربة.

أجرى الرائع عالم الأعصاب الإيطالي أليسو أفنتاري Alessio Avenanti تجربة مثيرة، إذ أحضر مجموعة من المتطوعين الأوربيين ذوي البشرة البيضاء، ومجموعة أخرى ذو أصول أفريقية ببشرة داكنة، ثم عرض على كل المتطوعين مقطع مصور لدخول إبرة في يد بيضاء البشرة فيخرج الدم منها، ثم فيديو آخر ليد داكنة البشر يُصيبها ما أصاب الأولى، وكان الدكتور أفنتاري يراقب نشاط أدمغة جميع المتطوعين من خلال جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ FMRI، ورأى أن المتطوعين يتعاطفون مع الكل، ولكن -وبفرق ملحوظ جداً جداً- كان المتطوعون الأوربيين يتعاطفون أكثر مع أشباههم في البشرة، كذلك الأفارقة يتعاطفون أكثر مع ذوي البشرة الداكنة.

أي أن تعاطفنا منحاز ويميل -دون أن نشعر- لأشباهنا، سواء كان ذلك بلون البشرة أو غيرها.

أما المحاضِرة اللبقة دكتورة علم النفس السويسرية السيدة تانيا سِنغر Tania Singer أجرت تجربة أخرى لتؤكد عنصرية تعاطفنا، إذ دعت لمختبرها مجموعتين من روابط التشجيع لفريقين متنافسين في دوري كرة القدم السويسري.

وكانت تُري أعضاء كل رابطة مشجعاً من فريقهم -هو في الحقيقة ممثل- ومشجعاً من الفريق المنافس -ممثل أيضاً- يتعرضان لخمسة عشر صعقة كهربائية -وهمية- فيتظاهر الممثل حينها بالآلام وتعلو صيحاته، وكانت تراقب أدمغة أعضاء الرابطة من خلال أجهزة الـFMRI سالفة الذكر، وكانت توقف التجربة قليلاً بعد الصعقة الخامسة، وتسألهم عن مدى التعاطف والألم، وتكمل مشاهد الصعق.

وكما تبادر إلى ذهنك الآن... بعد الصعقة الخامسة، أظهر المشجعون تعاطفاً أكثر مع آلام مشجع فريقهم فقط، بل كانوا على استعداد تام لتقديم المساعدة للمشجع وتخليصه من آلامه ولو بتوزيع الصعقات العشر المتبقية على أعضاء الرابطة أجمع بدلاً منه، والأدهى من ذلك أن شديدو التعصب الكروي كانت تنشط في أدمغتهم منطقة المكافأة في النواة المتكئة -وهي المنطقة التي تنشط عندما نربح المال أو بعد الجماع مثلاً- إذا رأوا آلام وصيحات مشجعي الفريق المنافس.

ولعل هذا الشيء يُفسر لك عدم تعاطف تلك الفئة من البشر مع الفلسطينيين أو فرحهم بما يحل بهم، هم لا يرون الأمر من زاوية الانتماء التي نراهم فيها، هم لا يرونهم -بعين صادقة- أخوة لهم في الإسلام فيستوجب ذلك تعاطفهم، أو لخلل في أحكامهم وطريقة تفكيرهم لا ينظرون لهم على أنهم نظراء لهم في الخلق... بشرٌ أمثالهم يستحقون التعاطف، وبالأخص أن قضيتهم قضية إنسانية محقة بكل المقاييس القانونية والإنسانية.

ولربما -ولمعايير أخرى- يرونهم يُمثلون حزباً منافساً لهم، فتسمع منهم أن هؤلاء المقاومون هم أذناب إيران أو حزب أخوان أو أو... من تلك التهم المعلبة والتصنيفات التي لا تمت للإنسانية، بل قريبة كل القرب من الأيديولوجيات السياسية النفعية التي يلهث وراءها الأتباع ممن تشربوا العبودية، وبربك!! كيف تشرح لعبدٍ شرف الحرية؟!

إن هذا التشويش الفكري الذي يعشعش في أدمغتهم يسبب خللاً في أحكامهم وأفكارهم، وبالتالي تشوهاً في مشاعرهم، وانعداماً للتعاطف.

دعني الآن آخذك لزاوية أخرى في التعاطف...

الدماغ حين يضع نفسه في الموقف العقلي للآخرين، فإنه تلقائياً -ودون وعي منه- يقوم بمقارنة نفسه بهم، فإن كانوا أعلى منه مكانة وقوة وسلطة أو أنبل أخلاقاً وشرفاً فإن ذلك قد يضر باحترامنا لذواتنا إذ سنراها أقل من غيرها وفقاً لتلك المقارنة، لذلك فإن الدماغ يحاول قدر المستطاع عدم التعاطف معهم، حفاظاً على احترام ذاته.

في دراسة لدكتور علم النفس الصيني Xiuyan Guo -وزملائه- عام 2012، كان الهدف منها اختبار درجة تعاطفنا بناءً على الوضع المالي، فأتوا بمجموعة من الأشخاص من ذوي الدخل المتوسط، وعُـرض عليهم مقاطع مصورة لأفراد في مواقف مؤلمة، كأن يتم وخز إبرة في أذن أحد، أو جرح إصبعه بسكين، وقبل ذلك يخبرون المشاركين أن الشخص الذي سيشاهدونه إما تاجراً يتلقى مبلغاً كبيراً من المال، أو أنه فقير فقرٌ مدقع، وبينما هم يشاهدون تلك المقاطع يتم تتبع أدمغتهم ونشاطها من خلال جهاز الأشعة الـFMRI.

رأى الدكتور Guo أنه عندما تستثار الخلايا المرآة للتعاطف كان ينشط معها منطقة في الدماغ تُسمى Insula"" والقشرة الأمامية للدماغ " ACC "وهي المناطق التي تنشط عادة إذا ما شعرنا نحن بالألم، إي إننا نرى أن آلام الآخرين هي آلامنا حرفياً، ولكن كانت أدمغة متوسطي الدخل تتفاعل بشكل ملحوظ جداً مع الفقراء ومن دونهم بالمستوى، بينما يقل نشاطها بشكل غريب في حالة الأغنياء بل قد تكون معدومة.

عدم تعاطف تلك المجموعة من ذوي الدخل المرتفع -كما يقول الدكتور Guo- هو حيلة يلجأ لها الدماغ كي لا يشعر بالمهانة عند المقارنة اللاشعورية التي تُصاحب التعاطف.

ولعل تلك الحفنة من البشر التي لا تتعاطف مع مجاهدي فلسطين أو شعبها عموماً يتجنبون التعاطف كي لا يضعوا أنفسهم في تلك المقارنة، فحقير طَيع تُبع سيخسر أدنى مقارنة مع مقاومون يرمون أنفسهم أمام البنادق حباً في شهادة، مستميتين بالدفاع عن أرضهم بكل شرف... فأين الثرى من نجوم الثريا.

ولندع تلك الشرذمة قليلاً وهبني أُحدثك عن التعاطف والإنسانية... بل عنك سيدي القارئ.

إن تعاطفك مع الآخرين وإبداء تلك المشاعر الإنسانية هو ما يصنع منك إنساناً، فليس البشر دون شعور إلا كألواح خشبٍ مسندة، أو كما يقول الشاعر الحذق إيليا أبو ماضي:

أَيقِظ شُعورَكَ بِالمَحَبَّةِ إِن غَفا *** لَولا الشُعورُ الناسُ كانوا كَالدُمى

إن الحياة -سواء الوظيفية أو الاجتماعية أو غيرها- تقودك للاحتكاك بالآخرين، والبشر كائنات عاطفية شعورية، وعدم إبداء التعاطف سيقلل من جودتك على مستوى الوظيفة أو حتى على مستوى الإنسانية والتعامل، فعدم التعاطف مثلبة كبرى لمن يرغب في النجاح.

في كتابها المميز حقاً " التأثير العاطفي – The Empathy Effect " تحكي الدكتورة هيلين ريس Helen Riess أنها قصدت يوماً طبيب الرعاية الأولية، وكان يجلس في مكتبه وشاشة الكمبيوتر تُغطي جزءاً من وجهه، فنظر لها ثم نظر للشاشة حيث نتائج الفحوصات وقال لها ببرودة أعصاب: "أنتِ في خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني لذلك يجب أن تخسري 25 رطلاً من وزنك".

تقولين هيلين أنها امتعضت بشدة من لامبالاة الدكتور، وكلامه أورثها كآبة لمدة يوم كامل وأثار فيها شعلة غضب، وكان السبب واضحاً لها وهو عدم تعاطف الطبيب مع حالتها والخطر المحدق بها.

أجرت هيلين بعدها دراسة في إحدى المستشفيات وأعطت المرضى المراجعين أوراقاً لتقييم الأطباء ومدى كفاءتهم، وتحتوي الاستمارة سؤالاً حول تعاطف الطبيب، فكانت النتيجة كلما كان الدكتور أكثر تعاطفاً مع المرضى كلما كان أكثر كفاءةً في أعينهم، وهذا ما ينعكس تماماً على مدى استجابتهم للعلاج ونصائح الطبيب، فالتعاطف يخلق بيئة حميمة وجميلة في أي عمل.

ففي دراسة استقصائية شملت أفضل 160 شركة في عام 2015 في أمريكا، كان موظفي الشركات العشرة الأولى يقيمون مدراء الشركة والمشرفين أنهم أكثر تعاطفاً معهم وأعلى مودة ورحمة.

إن تعاطفك يا سيدي القارئ سمة إنسانية، ترقى بروحك وجودة حياتك نحو الأفضل، ولكن للأسف قد يشوهها بعض التعصب أو العنصرية أو التحزب، لذا أرجو أن تكون هذه الكلمات اليسيرة جلت عن عينيك التشويش الذي قد يصيب مشاعرك وتعاطفك، لتكون إنساناً يتقبل الآخرين ويحنو عليهم دون شروط أو تحيز.

ولعل أروع موعظة قيلت في التعاطف مع الآخرين والتحنن عليهم، هي ما أوصى به أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أيام خلافته لوالي مصر آنذاك مالك الأشتر إذ كتب له: أشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ.

دمت بمشاعر إنسانية وود.

بواسطة 288e1451-5677-4d83-8385-71f24185e9e0 ١٩ سبتمبر ٢٠٢٤
كم مره خنت فيها شعورك وأبديت إعجابك بأشياء لا تستحسنها؟ في عام 1897م اندلعت حرب بين الدولة العثمانية واليونان وكانت محط اهتمام الطبقة السياسية والنخب العليا، أما عوام الناس فكان "كُـلّا يدعي في الهوى وصل ليلى" والكل يريد الحديث عن هذه الحرب الطاحنة والتظاهر بالاهتمام كي يوحي للآخرين امتيازه الثقافي. إبان الحرب زارت بعض النسوة من الطبقة المخملية بيت الكاتب الروسي الشهير أنطون تشيخوف، والذي كان برفقة زميله الكاتب مكسيم غوركي، وسألنه عن رأيه حول هذه الحرب، فجلس يتأملهن... يرى وجوهاً بلهاء لا تعي المآسي التي تُخلفها الحروب، يتظاهرن بالاهتمام، فأجابهم بكل هدوء أن السلام هي النتيجة المرجحة لهذا الصراع. لم تكن تلك الإجابة التي يردن سماعها، فضغطن عليه كي يخبرهم أي الطرفين مرشح للفوز، فأجابهم بكل بساطة والابتسامة تملأ وجهه: "أعتقد أن الأقوى هو من سيفوز"، فزاد ضغطهن عليه ليُخبرهم من هو الطرف الأقوى، فقال "لا أشك أن الطرف الذي يحصل على تغذية أفضل وتعليم أفضل هو الأقوى". فسألنه بإلحاح "أي من طرفي الحرب تفضله شخصياً عن الآخر؟"، فقال بوجه مشرق: "سيداتي أنا أُفضل مربى البرتقال... هي تفضيلي الشخصي، هل تفضلونها أنتن" اندفعن بكل حماس للحوار عن المربى ونكهاتهن المفضلة، موضحات معرفتهن الواسعة بطرق تحضيرها، فكشفن اهتمامهن الحقيقي بالطعام بدلاً من التظاهر السابق بالانخراط في الخطاب السياسي، أما هو فكان يشاركهن الحوار بكل أريحية وسعادة. وما إن انتهين من جلستهن واستعدوا للمغادرة وَعَـدنَ تشيخوف بإرسال هبات سخية من مربى البرتقال، وشكرنه على حسن حواره ولطافة خطابه، فقد سُعدن حقاً بذلك، وبعد أن غادرن أثنى زميله غوركي على حواره معهن، فضحك تشيخوف وقال: "ما كان عليهن التظاهر... من الأفضل لكل إنسان أن يتحدث لغته الخاصة". فهل تتفق مع تشيخوف... أن على كل إنسان ترك التظاهر وأن يكون مخلصاً لما في داخله؟ لا شك أنك في وقت ما حاولت كبت مشاعرك وعدم إظهارها للآخرين، أو لعلك -وأرجو أن أكون مخطئاً- أبديت مشاعر زائفة لا تترجم ما في قلبك، ولو عدت في ذاكرتك واسترجعت سبب قيامك بذلك، فمن المرجح أن يكون السبب هو احترام مشاعر الآخرين، أو الحصول على مشاعر إيجابية منهم كالثقة أو المودة أو التعاطف. وأود بكل سعادة أن أزف لك البشرى... محاولتك لم تجدي نفعاً، لا تحاول تكرارها أرجوك، فمهما حاولت التمثيل والتظاهر بغير ما تشعر به فمن المرجح أنك ستحصل على نتيجة عكسية. أولاً إن تظاهرت سيُكشف أمرك.... إن أدمغتنا نحن البشر تمتلك قدرة جيدة على التفريق بين المشاعر الزائفة والحقيقية، فحتى الأطفال الرضع قادرين على ذلك بشكل رائع، ففي دراسة نفسية نُشرت عام 2015 في مجلة The Official Journal of the International Society on Infant Studies أظهر باحثو علم النفس من جامعة كونكورديا أن الرضع في وقت مبكر من العمر -18 شهراً- يمكنهم اكتشاف ما إذا كانت مشاعر الشخص حقيقية ومبررة أم لا. فكان الأطفال عندما يرون أحد أقاربهم تنكسر إحدى أدواته ثم يتظاهر بالحزن كانوا لا يبدون أي تعاطف معه، بينما القريب الذي يتعرض لذات الموقف وتبدو عليه مشاعر حزن حقيقية كان الأطفال يتعاطفون معه ويحاولون ببراءتهم التخفيف عنه. هل تـتذكر آخر موقف حاول أحدهم التظاهر أمامك بمشاعر زائفة، وكنت تعلم في قرارة نفسك أن مشاعره غير صادقة، هل تتذكر كيف كان الأمر واضحاً لك بينما يظن هو أن تمثيله جيد؟ حسناً الأمر ينطبق عليك كذلك، لست ممثلاً بارعاً.
بواسطة 288e1451-5677-4d83-8385-71f24185e9e0 ١٢ يوليو ٢٠٢٤
ماذا لو اختفيت اليوم من الحياة... هل سيتأثر المحيطون بك؟ هل سينقص الحياة شيء؟ بعد يومٍ مرهق من العمل كانت جالساً في غرفتي شارد الذهن، فسمعت صوت أمي تسأل من في المنزل عني "هل ما زال هاشم موجود أم خرج؟"، فتسللت إلى ذهني حينها مقولة الفيلسوف رينيه ديكارت "أنا أفكر إذاً أنا موجود"، لذا أردت الخروج من غرفتي لأخبر أمي ممازحاً أنني كنت هنا أفكر فإذاً أنا موجود. لكن أمي شتت أفكاري ودمرت ما تبقى سليماً من عصبونات دماغي ولم تذر لي أي باقية من صلابتي النفسية، إذ سمعتها تقول لمن سألتهم "هاشم موجود فهذا نعاله عند باب الغرفة.... هاشم تعال وارمي أكياس الزبالة". آه يا سيدي القارئ... لا أخفيك السر... لقد كانت صعقة نفسية، إذ كان دليل وجودي نعال.... وحاجتها مني أكياس القمامة لا أكثر. لست مفكراً... ولكن السؤال الذي سهر معي تلك الليلة هو " إلى أي مدى أنا مهم ومطلوب ومُلاحظ ومؤثر في هذه الحياة؟!" وأظنه سؤال يراود الكثير من الناس أحياناً، وليس سؤالاً فلسفياً أو ترفاً فكرياً، بل إن لجوابه أثر نفسي ينعكس علينا وعلى صحتنا ومشاعرنا... وهذا ما أود الحديث عنه في كلماتي اليسيرة هذه. نحن كبشر لن نقول لمن سألنا "كيف حالك؟" - أشعر اليوم بالأهمية شكراً لك.، ولكن هذا الشعور قد يجعلك تشعر بخير فعلاً. الاحساس بهذا الشعور لا يتطلب نيل جائزة نوبل للسلام، بل يكفي أن تكون مؤثراً بحياة الناس من حولك أو بمحيطك الذي تعيش فيه، وكلما كنت مطلوباً وملاحظاً ومؤثراً أكثر كلما زاد اعتقادك بأهمية وجودك. وعندما تكون بمنظورك ذا أثر وأهمية سترى ذاتك بنوع من التقدير والاحترام، مما ينعكس على شعورك بالإيجاب، وهذه النظرة للذات لا تـتعلق بالغرور وتفضيل النفس على الآخرين، بل تعني استثمار نقاط قوتك وأحاسيسك لأجل الحياة ومن فيها. إن حب ترك بصمة على الحياة فطرة نولد عليها وتخالج أنفسنا إلى حين الممات، وهذا ما أكده أستاذ الفلسفة وعلم النفس كارل جروس Karl Gross عندما كتب نظرية قَـيّـمة حول لعب الأطفال، قال فيها: إن الأطفال الصغار يشعرون بسعادة كبيرة عندما يعتقدون أنهم مؤثرين في العالم من حولهم، فالطفل مثلاً عندما يمسك دمية ويضغطها لتخرج صوتاً يضحك كثيراً، ليس لأن الصوت مضحك بل لأنه شعر بتأثيره في الواقع، ويكرر العملية ليعيد نشوة متعة الإنجاز وأهمية وجوده، والطفل الذي يُحرم من اللعب أو يلعب مراراً ويفشل بالتأثير على الواقع يشعر بانزعاج الكبير، بل لربما يتقوقع على نفسه ويتشوه نفسياً فيكون ضعيف الشخصية مستقبلاً غير مهيأ للإنجاز. وهناك بحث أجراه الدكتور إلين لانجر من جامعة هارفارد على مجموعتين من كبار السن نزلاء دار رعاية المسنين، أعطوهم جميعاً بعض النباتات التي ستزين غرف جلوسهم ونومهم وممرات الدار، وأخبر الدكتور إلين المجموعة الأولى أنهم المسؤولون عن إبقاء النباتات على قيد الحياة والعناية بها ورعايتها لتضفي المزيد من الجمال والمنظر الصحي للدار، بينما أخبر المجموعة الثانية أن النباتات لهم ولكن موظفو الدار هم من سيعتنون بها. بعد 18 شهر من الاهتمام بالنباتات والتأثير بالمنظر الصحي لدار الرعاية كان ضعف عدد نزلاء المجموعة الأولى على قيد الحياة مقارنة بالمجموعة الثانية. أي أن الشعور بالتأثير على الحياة وما يحيط بنا يجعلنا أفضل سواء على الناحية الصحية أو الشعورية أو حتى على بناء الشخصية. وفي بحث رائع نُشر أمس -وهو ما دفعني لكتابة هذا المقال- وجد الباحثان في مجال علم الأعصاب المعرفي روبرت تشافيز وتود هيثرتون أن التقييم الإيجابي لأهمية الذات واحترام الذات يكمنان في ذات المنطقة في الدماغ، فكلاهما في المسار الجبهي للدماغ والذي يربط قشرة الفص الجبهي الإنسي بالمخطط البطني، أي هما وجهان لعملة واحدة، وكلما كان تقدير الذات أفضل كلما تحسن أداء هذا المسار عصبياً، والمهم هنا أن قوة هذا المسار تُحسن مستويات السيروتونين "هرمون السعادة"، والذي هو حتماً يؤثر على المزاج العام ويقلل القلق، بل ويمنع خطر الإصابة بعدة أنواع من الاضطرابات العاطفية والنفسية كالاكتئاب وانعدام الشهية أو فرط تناول الطعام. وكتبا في البحث أن الأشخاص الذي يكون لديهم هدف نبيل يتعلق بالتأثير في الحياة والناس من حولهم يرتفع لديهم الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين وهي ناقلات عصبية تتحكم في الحالة المزاجية والحركة والتحفيز والتي يسمونها عادة "ثلاثية السعادة"، أي كلما كنت نبيلاً في تأثيرك فيمن حولك زادت سعادتك وتقديرك للذات. للتبسيط... ولكي أخرجك من دهاليز الدماغ هذه أقول إن احترام الذات من خلال الشعور بأهميتها يمنحها صلابة نفسية وثقة في النفس وسعادة تقيك من التكدر العاطفي والنفسي. وختاماً... هناك لَبسٌ يجب التنويه عليه، يخلط الكثير من الناس بين احترام الذات وتقديرها وأشياء أخرى لا علاقة لها بالاحترام أساساً، فمثلاً يظن البعض أن الاحترام والتقدير للذات يعني أن الإنسان يجب أن يوفر لنفسه كل متع الحياة طولاً وعرضاً، فيأكل كل ما تشتهيه نفسه ويشتري ما يحب كتقدير للنفس، وهذا خطأ، بل إن من الحيوانية أن يجعل الإنسان نفسه مسخاً يطلق العنان لرغباته، فوحدها الحيوانات التي لا تراعي سوى شهواتها وما تستلذ به، بينما الإنسان من المفترض أن يكون لديه قيم ومبادئ وتضحيات، وإلا فما فرقه عن الحيوان؟!! وكما ذكرت سابقاً ليس هناك أي ربط من قريب ولا بعيد بين الغرور وبين تقدير الذات، فالأفضلية تعني المزيد من المسؤولية اتجاه الحياة ومن فيها، بينما النظرة الفوقية على الآخرين مجرد نرجسية مرضية لا أكثر. لذا تبقى القاعدة الذهبية في أفضلية الذات والشعور بأهميتها حديث رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قال فيه: "خير الناس أنفعهم للناس". أنت خير الناس ما دمت مؤثراً وهماً في منفعة الناس، وأنت مجرد مسخ لا أهمية لوجودك ما دمت منغمساً في ملذاتك.
بواسطة 288e1451-5677-4d83-8385-71f24185e9e0 ٢٤ مايو ٢٠٢٤
ليست الطيور على أشكالها تقع دوماً، ستوقعك الحياة على طيورٍ لست تَعرِفها وأشكالٍ لا تـتقبلها، وترى نفسك رغم ذلك مجبوراً عليها... وها أنا رأيتني أخوض في حوار مع جارتني في الطائرة، امرأة بريطانية، رغم أنني لست ذلك الشخص الذي يهوى الانغماس في حوارات مع الغرباء، لكن ما أحبه شيء وما ستفرضه الحياة شيء آخر. بينما أنا غارق في تركيزي أقرأ كتاباً سألتني: "لماذا على غلافه صور للدماغ؟"، أجبتها: "لأنه يشرح طريقة تفكير الإنسان ولماذا يتعصب لأفكاره"، وليتني لم أقل ذلك.... شرعت تُحدثني عن جاراتها المتحيزات لأفكارهن، وبدأت تبث شكواها منهن وكأنه مكتوب على جبهتي "تفضل واشتك إليه الحياة". حاولت بلطف أن أنهي الحوار، ونصحتها بالنسخة الإنجليزية من الكتاب، ففيه كيفية التعامل معهن... إلا أنها واصلت الثرثرة واستمرت في النميمة، تـتحدث وتحاول أن تضع تفاصيلاً تظنها مثيرة للمستمع، بينما قلبي متملل تكاد تسمع شتائمه من خلف أضلاعه لولا باقية أدب حياء. وبعد أن مَـنَّ الله عليَّ بسكوتها... تسلل إلى ذهني سؤال "لماذا يثرثر الناس عن الناس ويمارسون النميمة؟!"، وهذا ما أود أن أحدثك عنه سيدي القارئ. في بادئ الأمر عليك أن تعرف أن النميمة تصرف بشري اجتماعي متأصل فينا. لو سألت أي إنسان عن النميمة (الحش)، فهو غالباً ما سيذمها ويعتبرها فعل سيء، لكن الجميع تقريباً يفعل ذلك، ففي دراسة للدكتورة آنا ماريوت Anna Marriott لاحظت ودرست فيها السلوك البشري، وجدت أن البشر يميلون بشدة للنميمة، فوفقاً للدراسة كان الذكور يقضون -في المتوسط- 55% من وقت حديثهم في النميمة، بينما النساء 67% -في المتوسط-. وفي بحث مميزة للدكتورة الرائعة Xiaozhe Peng نُشر عام 2015م، درست فيه من خلال أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ (FMRI) أدمغة المتطوعين أثناء خوضهم في النميمة سواء بأصدقائهم أو بالمشاهير أو بالناس عموماً، وقد أظهرت الأشعة نشاطاً أكبر في قشرة الفص الجبهي من أدمغتهم، وهي ذات المنطقة التي تمنحنا القدرة على ممارسة السلوكيات الاجتماعية المعقدة والاندماج مع المجموعة. أي أن الدماغ يرى النميمة فعل يُقربك ممن حولك ويدمجك مع المجتمع، وعلقت الدكتورة Xiaozhe على هذه النقطة قائلة "إن النميمة مرتبطة برغبتنا في أن ينظر الآخرون إلينا بشكل جيد ويتقبلوننا فنتأقلم اجتماعياً، بصرف النظر عما إذا كان هذا سيتحقق فعلاً ويعكس ما نشعر به أو ينقلب السحر على الساحر وينظروا لنا بسوء". ولو استرجعت ذاكرتك سيدي القارئ في آخر حواراتك الشيّقة مع أصدقائك، لا شك أنك ستـتذكر أن من أمتع أجزاء حديثكم هو ذلك الجزء الذي تحدثتم فيه عن الآخرين... أليس كذلك يا حمامة السلام؟ 😁 والصدمة ليس فيما فات من البحث... مهلاً، كشفت أشعة الدماغ أن النواة المتكئة وبقية نظام المكافأة في الدماغ ينشط ويستجاب للنميمة -وبالأخص التي نتحدث فيها حول المشاهير-، بل كان نظام المكافأة في الدماغ ينشط أثناء النميمة أكثر مما ينشط في حال الاستماع لحديث الناس عنك بالخير. وإن كنت لا تعرف نظام المكافأة هذا... فهو ذات النظام الذي ينشط عند ممارستك الجنس أو أكلك لطعام لذيذ بعد جوع أو كسبك مبلغ من المال، وهنا الصدمة... هكذا يستلذ دماغك بالنميمة. ولكن صبراً... حتى وإن كانت النميمة متأصلة فينا فهذا لا يعني من قريب أو بعيد أنها تدل على الاستقرار النفسي أو أنها شيء طبيعي. أثبتت العديد من البحوث أن الأشخاص الذي يقضون جزءاً من محادثاتهم اليومية في النميمة -وبالأخص السلبية منها- يعانون بالفعل من تدني احترام الذات.... فليس هناك أتعس من أن يشغل المرء وقته ببؤس الآخرين. في دراسة لدكتورة علم النفس جيني كولي Jenny Cole طلبت من 140 مشاركاً كتابة وصف إيجابي أو سلبي حول شخصية عامة عرضتها عليهم، ثم قامت باختبارٍ وجلسةٍ نفسية لقياس مدى احترامهم لذواتهم، ورأت أن الأشخاص الذي كتبوا وصفاً سلبياً كانوا يعانون من احتقار للذات. وفي ذات الدراسة طلبت من 112 آخرين أن يكتبوا وصفاً عن شخص ما يعرفونه تماماً، ثم اختبرتهم نفسياً أيضاً، ورأت الدكتورة جيني أن الأشخاص الذي كتبوا نميمةً سلبية في أقاربهم أو أصدقائهم المقربون يعانون بشدة ملحوظة من تدني احترام الذات.... وهذا لا يدع مجالاً للشك بأن الخوض في النميمة مرتبط تماماً بتدني احترامنا لأنفسنا. أضف لذلك أن خوضك في النميمة -التي ستلتذ بها- قد يكون أحياناً محاولة لهروبك من نقاشات جدية عليك طرحها لحل مشاكلك العالقة. في دراسة لجامعة Northwestern University درس القائمون عليها أكثر من 100 من الأزواج، وخلصت الدراسة أن الأزواج الذين يميلون للتحدث عن الأزواج الآخرين وكيف يديرون حياتهم غالباً ما تكون حياتهم الزوجية سيئة تـتخلـلها العديد من الخلافات، وتكون هذه الحوارات طريقة لتجنب حوارات ستنتهي بالعصبية والقيل والقال والفشل في معالجة مشاكلهم الفعلية واختلاف وجهات نظرهم. وكما تقول السياسية الأمريكية البارزة إليانور روزفلت: "العقول العظيمة تُناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تتحدث عن الأحداث، والحمقى يتكلمون عن الأشخاص". ولكن ليس التحدث عن الآخرين سيء بشكل مطلق، فأحياناً تنبيه المجتمع من سوء أحدهم هو إصلاح وخير للمجتمع، كتوعية الناس من عمليات نصب مالي يقوم بها أحدهم مثلاً. بل قد تكون النميمة في أحدهم وسيلة لتوعيته ومحاولة لهدايته بعد أن يتم اقصاءه مجتمعياً ويرى كراهية الناس له نظراً لسلوكه المشين، ففي دراسة للبروفيسور ماثيو فاينبرغ Matthew Feinberg أحضر مجموعة من المشاركين للمختبر للقيام بلعبة ما، وتم تقسيم المشاركين لمجموعات، وفي اللعبة كان لدى كل واحد من أعضاء المجموعة مبلغ من المال، وإما يحتفظ به لنفسه أو يتبرع بجزء منه أو كله لصندوق المجموعة، التي إن خسرت اللعبة سيتبخر المال، وإن كسبت اللعبة سيتضاعـف المبلغ ثم يتم تقسيمه مرة أخرى بالتساوي على أعضاء المجموعة، ويستطيع كل فرد من المجموعة معرفة المبلغ الذي تبرع به الآخرون، ويستطيعون في كل مرة يلعبون بها القيام بتصويت وطرد فرد من المجموعة. كانت النميمة التي يقوم بها أفراد المجموعة قبل كل لعبة مفيدة إذ أنها وضحت للآخرين من هو الأناني وبالتالي نبذوه وصوتوا لطرده، ثم زاد التعاون والتضحية فيما بينهم وبالتالي كسبوا المزيد من المال. أضف لذلك أن الأنانيون الذي تم طردهم والحاقهم بمجموعة أخرى تغير سلوكهم وأصبحوا أكثر تعاوناً وتضحية للمجموعة الجديدة. وأرجو ألا يستغل الإنسان النمام هذه الدراسة عذراً لنميمته ويخرج بهيئة المصلح، فالله جل علاه يطلع على شخصيته ونيته الحقيقية لا التي ينظر لها الناس. وفي الإسلام عشرات الأحاديث التي تقدح في النمام وتـتوعده بالعقاب، فعن الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام أنه قال: "إياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتُبعد عن الله وعن الناس". ويقول عليه السلام في موضع آخر: "محرمة الجنة على العيابين المشائين بالنميمة". لذا قبل أن يخوض أحدهم في حديث سلبي عن الآخرين عليه أن يسأل نفسه بإنصاف وصدق/ هل ستساعد هذه النميمة الآخرين حقاً وتوعيهم ونيتي فيها الخير؟ هل أقوم بهذا الحديث بدافع الحقد أو الحسد أو العداء أو تسلية المستمعين ببؤس الآخرين؟ هل لا أملك خياراً آخر سوى النميمة؟ وهل هي ضرورية الآن؟ كيف سأشعر لو شارك أحدهم هذه المعلومات والحوارات عني أنا؟ والأجوبة ستدعوك لإكمال الثرثرة من عدمها، فـفن عدم النميمة الدال على احترام الذات هو الذكاء في معرفة متى يجب أن تشارك هذا الحوار ومع من ولماذا؟ والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره. وليس هناك أروع من أن يترك الإنسان النميمة ويتحدث عن الأفكار.... مهلاً... كأني ابتدأت المقال بنميمة عن جارتي في الطائرة.... من الواضح أني لست حمامة سلام 😜، حسناً نيتي خيرة وأنتم لا تعلمون من هي. 😁
بقية المقالات
Share by: